الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

41

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

أي فأينما توجهوا إلى القبلة فثم مرضاة اللّه إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ برحمته يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ ( 115 ) بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها أي إن اللّه تعالى أراد تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات مملوكة له تعالى ، فأينما أمركم اللّه باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل إن اللّه تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده وكيف يريد . وقال ابن عباس : لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت هذه الآية ردا عليهم . وقال أبو مسلم : إن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن اللّه تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى إنما استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام ولد هناك فرد اللّه عليهم بهذه الآية : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ أي صنع وَلَداً . وقرأ ابن عامر « قالوا » بغير واو قبل القاف أي قالت اليهود : عزير ابن اللّه . وقالت النصارى : المسيح ابن اللّه . وقال مشركوا العرب : الملائكة بنات اللّه . فقال اللّه تعالى ردا عليهم : سُبْحانَهُ وهي كلمة تنزيه ينزه اللّه تعالى بها نفسه عما قالوه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والملكية تنافي الوالدية أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) أي كل ما في السماوات والأرض مطيعون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه ومشيئته فالطاعة هنا طاعة الإرادة لا طاعة العبادة بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي موجودهما بلا مثال وَإِذا قَضى أَمْراً أي إذا أراد إيجاد شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) أي أحدث فيحدث . وقوله « كن » تمثيل لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها من غير توقف كطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع ، ولا يكون من المأمور الآباء . وقرأ ابن عامر « كن فيكون » بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين في أول آل عمران في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [ آل عمران : 3 ] . وفي الأنعام في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ [ الأنعام : 73 ] فإنه رفعها . وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس ، وبالرفع في سائر القرآن . والباقون بالرفع في كل القرآن . أما النصب فعلى جواب الأمر ، وأما الرفع فإما على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون أو معطوف على « يقول » أو معطوف على « كن » من حيث المعنى كما هو قول الفارسي . وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم اليهود منهم رافع بن حرملة كما أخرجه جرير عن ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي ، أو هم كفار العرب كما أخرج عن قتادة لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي هلا يكلمنا اللّه مشافهة من غير واسطة بالأمر والنهي كما يكلم الملائكة أو موسى وهو ينص على نبوتك وهذا منهم استكبار أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أي فإن كان اللّه تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة تأتينا - وهذا منهم إنكار في كون القرآن آية